محمد أمين المحبي

57

نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة ( دار الكتب العلمية )

مع شيمة لو أنّها في الماء ما تغيّر ، وهمّة لو أنه للنّجم ما تغوّر . وأياد روائح غوادي ، كنسيم الرّياض غبّ الغوادي . فللمزن فيض بنانه ، وللرّوض حسن افتنانه . وله فكر إذا اتّقد تلهّب منه اللّهب ، وخلق إذا انتقد تبهرج عنده الذّهب . وكان في مبدئه من الجند على طريقة والده ، حتى بلغ فنزع بنفسه إلى مجد أغناه مطرفه عن تالده . وحبّب إليه أنواع المعارف ، فاعتاض عن حمر المضارب بسود المراعف . كما قال : [ الطويل ] صبوت إلى حبّ الفضائل بعدما * تقلّدت خطّيا وصلت بمخدم ومارست من بعد القناة يراعة * كأبيض مصقول العوارض لهذم « 1 » وصار مدادي من سواد محاجري * وقد كان محمرا يسيل كعندم « 2 » فجاء من التّحائف التي بيّضت وجوه القراطيس ، وجذبت المحاسن إلى صوبها جذب المغناطيس . بما أطلع قدود المها محفوفة بالولائد ، ولآلي الثّغور كأنّها على العقد قد نظمها للقلائد . إلى نظام مثل السّوالف زمّت بالشّعور ، وأداء كدرر البحور علّقت في النّحور . وشعره وإنشاؤه إذا رآهما الأديب ، قال : ليس للبلاغة إلّا ذان ، يلجان السّمع إلى القلب بلا أذان ولا استئذان . أحاطت ببدائعه حواشي الإجادة ، إحاطة الحلل بالقدود ، وتوشّت رياض روائعه بالملاحة توشية العذار بورد الخدود . فكل ما كتبه أوفاه به لسانه ، لا سبيل لأن يجحد حسنه وينكر استحسانه . ومضى عليه زمن وهو في عيش رفيه ، والعزّ ناظر وهو نور فيه . حتى أسنّ فوقف الدّهر في تعهّده دون حقوقه ، وخرج إلى ما كان يهيّئه له من برّه إلى عقوقه . وأخّر مطالبه تأخير الغريم ، لدين الكريم . وبدّله عن النّشاط المقيم ، بالحظّ العقيم . وللزمان حال لا إلى بقا ، وصفو لا يبقى على نقا . فسلوة الأيّام موعدها الحشر ، ولكتابها منتهى هو النّشر . ثم عاجله الحمام ، فسقى تربه هطّال الغمام :

--> ( 1 ) لهذم : اللهذم : كل شيء قاطع . المعجم الوسيط ، مادة ( لهذم ) . ( 2 ) عندم : العندم : دم الأخوين . القاموس المحيط ، مادة ( عندم ) .